ابن باجة

54

رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة

المتخلية - وهو موضوع أثير عند صاحب هذه المجموعة - بشكل لا يخرج في مجمله عما ذهبت اليه الرسائل الأخرى التي تناولت نفس الموضوع . غير أنها تركز من جهة على فعل القوة النظرية في القوة المتخيلة ، وتشير من جهة أخرى إلى مسألة بقاء العقل وعدم فنائه ، وحاجته فقط إلى العقل الذي أوجده بما يفيض عليه . ولكنها مع ذلك لا تنفرد بهذه الإشارة ، كما سنقف على ذلك فيما بعد . ثم تختتم هذه الفقرة بذكر الطريق التعليمي وطريق أصحاب الفطر الفائقة ومراتبهم مع العناية بالطريق الثاني الذي يشكل أحد الثوابت الأساسية عند كاتب رسائل هذا القسم . وسنقف على عرضه لتراتب أهل الفطر الفائقة في الرسالة الخامسة التي افردها لذلك ، اما الآن فنكتفي بالإشارة إلى أن هذا الموقف يعارض أحد ثوابت الفكر الباجوي ، ومن ثم يصعب الاطمئنان إلى نسبة ما ورد في هذه الرسالة وفي غيرها عن الموضوع إلى ابن باجة . وفي الفقرة الثالثة تصريح بان معطى ذلك كله هو العقل الفعال ، اي ان هذا العقل هو الأصل المشترك للمعرفة التي يصل إليها أصحاب الطريق التعليمي وأهل الفطر الفائقة . والملاحظ في هذا القول ابتعاده عما ذهبت اليه الرسالة الأولى في تأكيدها على أن المعطى هو الأول ، واقترابه من التعاليم المشائية في هذا الصدد ، أو على الأقل استغلاله لبعض معطياتها ومزجها بما يعتبر مناهضا لها ، هذا إذا أخذنا مفهوم العقل الفعال بالمعنى الارسطي - المشائي ، اما إذا وضعنا مكان العقل الفعال مفهوم الخير الأول ، وهو المفهوم السائد في رسائل هذا القسم ، فإننا سنكون ، في هذه الفقرة على الأقل ، امام تلخيص للكلمات الأولى الواردة في الباب التاسع عشر من كتاب الخير المحض ، وغيره من الأبواب التي تؤكد ان الخير الأول يفيض الخيرات على الأشياء كلها فيضا واحدا ، الا ان كل واحد من الأشياء يقبل من ذلك الفيضان على نحو كونه وانيته . ولكن الجديد هاهنا هو ان هذه الفقرة تذكر ان فيض العقل الفعال قد يصل بالأنبياء إلى درجات من الكمال أكمل مما يوصل بالعلم البرهاني ، وهذا امر ستؤكده بشكل أكثر تفصيلا الرسالة الخامسة في ترتيبنا لرسائل هذا القسم . ثم تنتهي بعد هذا إلى وضع تشابه بين علاقة العقول الثواني بالأول من جهة ، وعلاقة العقل الفعال بالعقل الانساني من جهة أخرى ، لتثبت ان هذا العقل الأخير باق ببقاء الفعال ، كما أن الثواني باقية ببقاء الأول .